تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٦٠ - مكاشفة
و رابعها: الافتخار بالحق و التشبث به دون أسباب الدنيا، و
يروى إن علىّ ابن الحسين عليه السّلام جاء رجل عنده فقال: ما الزهد؟
قال: الزهد عشرة أجزاء، فأعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع، و أعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين، و أعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا ١٦٠، و إن الزهد كله في آية واحدة من كتاب اللّه لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ [١]
و قيل لبزرجمهر: مالك أيها الحكيم لا تأسف على ما فات و لا تفرح بما هو آت؟ فقال: لأن الفائت لا يتلافى بالعبرة، و الآتي لا يستدام بالجبرة.
مكاشفة
قد وضح من هذه الآية إن كل ما وقع أو سيقع في هذا العالم مقدّر بهيئته و زمانه، مكتوب بوصفه و خصوصيته في عالم آخر قبل وجوده، فإن اشتبه عليك الحال في الأفعال المنسوبة إلى الاختيار و تخيّل إليك إنها على هذا التقدير يلزم أن تكون بالاضطرار، فما بالنا نجد الفرق بين المضطر و المختار؟ و لما ذا نتصرف فيها بالتدبير و التغيير و نصرّفها بالتقديم و التأخير؟
ثم إذا كان الكلّ بالقضاء و القدر فلما ذا يؤاخذ بها و يعاقب عليها أو يوجر و يثاب بقصدها؟ و ما الفرق بين سهونا و عمدنا؟ فكيف يتجّه المدح و الذم لنا؟ و أي فائدة للتكليف بالطاعات و العبادات و دعوة الأنبياء بالآيات و المعجزات؟ و أي تأثير للسعي و الجهد؟ و أي توجيه للوعيد و الوعد؟ و ما معنى الابتلاء في قوله تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [٦٧/ ٢] و ما لا يحصى من الآيات الدالة على أن مدار التكليف هو الاختيار و بناء الأمر في الاختبار على الاختيار؟
[١] مجمع البيان: ٩/ ٢٤١. و جاء الحديث بلا اشارة الى الآية في الكافي: ٢/ ١٢.